Crise financière ou crise de la mondialisation ultralibérale

مقدمة:

لا يمكن القول اليوم أن الأزمة الجارية هي مجرد أزمة عابرة أو أزمة مالية وفقط، فبعد حوالي سنتين من انفجار أزمة « الرهون العقارية » في شهر أوت 2007، هناك إجماع (المؤسسات الدولية، الحكومات، الاقتصاديون، الصحافة المختصة…) أننا أمام أزمة من أخطر الأزمات التي عرفها النظام الرأسمالي منذ نشأته في الربع الأخير للقرن الثامن عشر، أزمة خطيرة بعمقها وشموليتها ونتائجها على مستوى الدول والاقتصاد العالمي ومستقبل العالم ككل.
هي كذلك أزمة تتسارع أحداثها بوتيرة كبيرة لهذا يصعب جدا القيام بتحليل شامل وواف لحدث لازال يجري أمامنا بل يصعب التنبؤ بكل آثارها وبآفاق تطورها.

وبالرغم من أن الكثير من الاقتصاديين والمحللين يوازون بين الأزمة الاقتصادية التي حدثت في نهاية العشرينيات وبداية الثلاثينيات من القرن العشرين (أزمة الكساد الكبير لسنوات 1929 ـ 1933) والأزمة الجارية ويجدون بينهما الكثير من أوجه الشبه، إلا أنه يمكن القول هذه الأخيرة هي أخطر بكثير من الأولى بالنظر إلى مجموعة من الخصائص نعتقد أنها أساسية:

فالخاصية الأولى للأزمة الجارية هي أنها فعلا عالمية أو معولمة، وهذا بالنظر للميل أكثر فأكثر لإضفاء نوع من الانسجام على النظام الرأسمالي العالمي عبر حركة تحطيم علاقات الإنتاج السابقة له وتعميم السلعنة والعلاقة الأجرية، وكذا تحطيم التقسيم الدولي القديم للعمل القائم على العلاقة بين المركز الصناعي والأطراف القائمة على الفلاحة والصناعة الاستخراجية وتعويضه بنظام العولمة الليبرالية. بمعنى آخر، فالأزمة الحالية هي عالمية بالنظر للتشابك بين مختلف أطراف النظام الاقتصادي العالمي في مركزه وأطرافه وتتوسع لتطال كل السوق الرأسمالية العالمية خاصة بعد انهيار جدار برلين ودخول البلدان الاشتراكية السابقة هذه السوق وبعد انخراط معظم البلدان النامية في اقتصاد السوق الليبرالي، فبلدان مثل الصين والهند والبرازيل وبلدان جنوب شرق آسيا وروسيا والبلدان الصاعدة عموما، بوزنها في الاقتصاد العالمي الآن لا يمكن أن تبقى بمعزل عن هذه الأزمة بل هي في عمقها، كما أنها لا يمكن أن تبقى على هامش التحولات التي ستحدثها.

هذه الأزمة هي عالمية كذلك بفعل درجة انفتاح السوق العالمية وتوسع المنافسة نتيجة لسياسة اللبّرنة الاقتصادية التي شرع فيها منذ بداية 1980 وتفكيك القوانين المسيّرة للاقتصاد وتحرير المبادلات من السلع والخدمات وحركة رؤوس الأموال وتراجع الدور التعديلي للدولة الكينزية.

أخيرا فالذي يضفي على هذه الأزمة طابعها العالمي هي الثورة التكنولوجية الجارية في مجال الإعلام والاتصال والنقل التي جعلت الأسواق الدولية للسلع والخدمات والساحات المالية والبورصات العالمية مترابطة فيما بينها، فالمعلومة الاقتصادية أصبحت تنتقل بسرعة تفوق سرعة الضوء وأي خلل يصيب جزء من أجزاء النظام سينتقل ليمس الأطراف الأخرى وينشر العدوى فيها.

هذا بالإضافة إلى تأثير هذه الثورة على المجال المالي بالخصوص إذ سمحت بإضفاء نوع من الاستقلالية على القطاع المالي عبر تطوير منتجات جديدة كان لها الدور الكبير في توسيع الرسملة والورقية. لهذا سيضيف هذا المجال المالي من مخاطر الأزمات التي تصبح مزدوجة : بداخله وفي إطار العلاقات الترابطية بينه وبين الاقتصاد الحقيقي.

كل هذه العوامل تجعلنا نقول أننا أمام أزمة عالمية تمس كل الاقتصاد المعولم في مركزه وأطرافه، في جانبه المالي (التشابك والترابط بين مختلف الساحات المالية) والحقيقي (كوكبة الشركات المتعددة الجنسيات وتوسع الاحتكار)، وستكون لها تداعيات ليس فقط على مستوى الدول بل على العالم برمته، وهي التداعيات التي لن تكون اقتصادية فقط بل اجتماعية وسياسية، وفي هذه الحالة هل بإمكان الدولة أو الدول والمؤسسات الدولية أن تعدّل وتنظم وتراقب هذه السوق المعولمة والشركات المتعددة الجنسيات المكوكبة؟

أما الخاصية الثانية التي تميّز الأزمة الجارية هي أنها أزمة تمتزج بأزمات أخرى، فبالإضافة للأزمات المالية المتعددة التي عرفها الاقتصاد العالمي ابتداء من الأزمة المالية والنقدية لسنة 1971 والتي كانت المنطلق لانهيار نظام « بروتون وودس » إلى غاية أزمة الرهون العقارية سنة 2007، فإن ما يميز الأزمة الجارية هو اصطحابها بالأزمة الغذائية والأزمة البيئية التي يعرفها العالم اليوم، الأمر الذي لا يجعلها أزمة عادية بل هي أزمة من نوع خاص: فهي أزمة الإنسانية جمعاء بعلاقاتها المعقدة والمتشابكة، أزمة استغلال الموارد والثروات البشرية وتوزيعها، إنها أزمة التصرف والحاكمية الدولية بكل أشكالها، لهذا فهي تكتسي بُعدا كونيا يجعل مستقبل البشرية في ميزان وعليها أن تختار فإما الربح أو الإنسان؟

أخيرا، فما يميّز هذه الأزمة الجارية عن أزمة الكساد الكبير لسنوات 1929 ـ 1933 هو حالة الانسداد الذي وصله نمط التراكم السائد والصعوبة التي يجدها للخروج من الأزمة وإيجاد بدائل وحلول. فمن المعروف اليوم أن كل أزمة عامة هي فرصة لإعادة ترتيب شؤون العالم والاقتصاد العالمي ككل، أي أنها فرصة للنظام السائد لتهيئة شروط تجاوز الأزمة وتناقضاته والشروع في مرحلة جديدة من النمو والتراكم، وهذا ما حدث أثناء وبعد أزمة 29 ـ 33 التي كانت مناسبة لإعادة النظر في النمط الليبرالي للتراكم الكلاسيكي والنيوكلاسيكي واعتماد نمط جديد يقوم على الوفاق الفوردي

ـ الكينزي، كما كانت هذه الأزمة فرصة للتغيير زعامة النظام (لأن النظام الرأسمالي هو دائما بحاجة إلى بلد رائد يسحب الأطراف الأخرى فيه)، فالولايات المتحدة الأمريكية (والدولار الأمريكي) التي استلمت قيادة الاقتصاد العالمي والعالم بعد تراجع بريطانيا العظمى (والجنيه الإسترليني) ستتمكن اليوم من إعادة « ترتيب شؤون البيت العالمي » أم ستدخل النظام في أزمة أعمق لا يمكن التنبؤ بعواقبها؟

كل هذه الخصائص تجعلنا نقول أن العالم اليوم هو أمام أزمة مميزة ستدخله والاقتصاد العالمي في فترة طويلة من الاضطرابات، حيث ستشتد التناقضات بين مختلف شرائح الرأسمال نفسه وبين الرأسمال والعمل، هي أزمة ستكون نتائجها مؤثرة وأليمة على كل المستويات، الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، داخل الدول وفي العالم بأسره.

قد لا تبرز هذه النتائج في القريب العاجل، بل يمكن أن يستعيد النظام عافيته بصفة مؤقتة، بفعل خطط الإنقاذ التي اعتمدت والأخرى التي ستعتمد، لكن العودة إلى النمو سيكون قصير المدى وستعاود الأزمة الظهور لأن التناقضات الأساسية تبقى قائمة وبالأخص التناقض بين الأجر والربح على مستوى المركز الرأسمالي وبينه وبين الأطراف التابعة.

في هذه الموضوع سنحاول تحليل الأزمة الجارية ومعرفة أسبابها العميقة ونتائجها المتوقعة على المديين القصير والبعيد، على المستوى العالمي ومستوى الدول النامية والعربية، كما سنحاول تناول الحلول المقترحة لتجاوزها ومناقشتها، وأخيرا يمكن اقتراح بعض أشكال مواجهتها.

1 ـ عن أسباب هذه الأزمة والموقف اتجاهها:

من خلال تصريحات ومواقف العديد من الزعماء السياسيين في الدول الرأسمالية المتطورة والنامية والمؤسسات المالية والنقدية والاقتصادية الدولية وتحاليل العديد من الاقتصاديين والخبراء الماليين، يبرز لنا اتجاهان كبيران اثنان في تفسير الأزمة الجارية ومنه موقفان تجاهها وطريقتان لمواجهتها:

أ ـ الاتجاه الأول الذي ينخرط عموما في الفكر الاقتصادي والسياسات الليبرالية الجديدة التي اعتمدت منذ الثمانينيات من القرن العشرين، يختصر الأزمة في أنها أزمة مالية أساسا انطلقت من أزمة « الرهون العقارية »، أي من المجال المالي، وتفاقمت شيئا فشيئا لتمس مجال الاقتصاد الحقيقي وتتحول إلى انكماش يظهر بالأساس في انخفاض معدلات نمو الناتج المحلي الخام للدول والعالم وفي تراجع الطلب والإنتاج في عدد من القطاعات الإنتاجية والخدماتية وأساسا قطاعات صناعة السيارات والأشغال العمومية والبناء والسكن والنقل (البحري على الخصوص)، وهو ما ينعكس في الانخفاض الكبير في طلبات هذه القطاعات وإنتاجها وفي رقم أعمالها وأرباحها، كما ينعكس جليا في غلق عدد من الوحدات الإنتاجية وتسريح العمال أو إحالتهم على البطالة التقنية (وصل عدد العمال المسرحين في الولايات المتحدة وحدها سنة 2008 ما لا يقل عن 2.6 مليون).

وبالرغم من التوقعات المتشائمة جدا لصندوق النقد الدولي بالنسبة للسنة الجارية، إذ ترى هذه المؤسسة الدولية أنه من المتوقع أن لا يتعدي معدل النمو العالمي 0.5% وهو المعدل الأدنى منذ الحرب العالمية الثانية، أما البلدان الآسيوية التي تعتبر مقطورة النمو العالمي فمعدل نموها سيقع في حدود 2.7%، فإن هذه المؤسسة ومعها عدد من حكومات البلدان المتطورة والخبراء الاقتصاديين يضربون موعدا مع النمو في نهاية سنة 2009 وبداية سنة 2010، هذه الأخيرة التي يتوقع صندوق النقد الدولي أن يكون معدل النمو العالمي فيها أكثر من 2% وفي بلدان أسيا في حدود 5% (8% في الصين و6.5% في الهند، و4.1% في مجموعة ال ASEAN)[1].

لتفسير أسباب هذه الأزمة يتفق معظم أصحاب هذا الاتجاه أن بؤرتها هي مجال المال وبالتالي لا مجال للبحث عن أسبابها خارج هذا المجال، لكن يبرز هناك اختلاف في مواقف هذا الاتجاه في حدة المسؤولية وعمقها.

فهناك من أصحاب هذا الاتجاه من يرى أن المسؤولية تقع على عاتق التصرفات اللاعقلانية والطائشة واللاأخلاقية لعدد من المضاربين الماليين المغامرين ومسيّري البنوك وصناديق الاستثمار الذين « فقدوا حسهم العالي بشؤون المال والاقتصاد »[2] وأصبح همهم الوحيد الرفع من المردودية المالية وضمان مداخيل خيالية لهم ولحاملي الأسهم الكبار، هؤلاء الذين يقعون في صف « الرأسمال السيئ وليس الرأسمال الجيّد » على حد تعبير « نيكولا ساركوزي »، كما يعود سبب الأزمة لعدم كفاءة وكالات التنقيط أو غفلتها أو تواطؤها مع بعض المؤسسات المالية والمصرفية.

وهناك من أصحاب هذا الاتجاه الأول دائما من يذهب بعيدا في هذا الموقف ويحمل مسؤولية الأزمة لسياسات تحرير المجال المالي التي اعتمدت منذ الثمانينيات من القرن العشرين في الولايات المتحدة تحت رئاسة « رونالد ريغان » وانجلترا تحت قيادة رئيسة الوزراء « مارغريت تاتشر » والتي عممت لتشمل باقي البلدان الرأسمالية المتطورة (أوروبا واليابان) وبعض البلدان النامية، والتي تبرز في تحرير حركة رؤوس الأموال ورفع الرقابة عليها وتعويم أسعار الفائدة وأسعار الصرف، وهو الأمر الذي ساهم في توسع الجريمة المالية المنظمة (أساسا تبييض أموال المتاجرة في المخدرات والتبغ والجنس..) التي تتحمل الجنّات الضريبية المسؤولية العظمى في تفاقمها.

إن هذا الاتجاه بصفة عامة، وانطلاقا من المواقف أعلاه، سيقترح حلولا للأزمة ومخارج لها ومخططات إنقاذ لا تبتعد كثيرا عن المجال النقدي والمالي تختصر في مجموعة من الإجراءات لإنقاذ هذا المجال من الغرق وجر معه باقي الاقتصاد والمتمثلة أساسا في ضخ السيولة الكافية للبنوك بغرض استرجاع الثقة فيما بينها وبينها والمؤسسات الاقتصادية، وتخفيض أسعار الفائدة للتشجيع على الاستثمار والعودة للنمو، وقد تصل إلى دعم ميكانيزمات الرقابة على حركة رؤوس الأموال والمضاربات المالية وتحديد سقف « أخلاقي » لأجور مسيّري هذا القطاع، وكذا « شن حرب » على السر البنكي والجنات الضريبية[3]. فهل ستساهم هذه الإجراءات في حل الأزمة أم ستعمقها؟

إن من أصحاب هذا الاتجاه كذلك من يتحدث عن ضرورة « إصلاح الرأسمالية »!! ما هو محتوى هذا الإصلاح؟ هذه أسئلة سنحاول الإجابة عنها لاحقا عندما نتناول هذه الحلول ومخططات الإنقاذ التي اعتمدت حتى الآن.

ب ـ الاتجاه الثاني الذي يضم عدد كبير من الباحثين في العلوم الإنسانية وبالتحديد علم الاقتصاد وعلم الاجتماع ومن تيارات مختلفة تضم أساسا الكينزيين والكينزيين الجدد واليسار الماركسي وغير الماركسي تتفق في مسألة جوهرية هي معارضة الفكر الليبرالي الجديد والسياسات الليبرالية الجديدة التي اعتمدت منذ 1980 التي يعتبرونها سياسات انكماشية لم تشجع على النمو بل هي سبب الأزمة بذاتها.

هذا الاتجاه، يرى أن هذه الأزمة هي أبعد من أن تكون أزمة مالية بقدر ما هي أزمة هيكلية عامة تمس بنيات نظام التراكم الرأسمالي الحالي في شكله الليبرالي الجديد، كما هي أزمة تعديل هذا النظام، هي كذلك أزمة متعددة الأبعاد، فهي في آن واحد أزمة مالية وغذائية وبيئية مما يجعل عدد من الباحثين يميلون للقول أنها أزمة كونية لنمط استغلال الثروات البشرية وتوزيعها التي ولّدت مشاكل كونية مثل مشكل الفقر والمجاعات ومسألة المياه والتصحر…إلخ، كما أنها أزمة تسيير شؤون العالم ككل.

دائما حسب هذا الاتجاه، الأزمة الجارية هي أزمة فكرية اقتصادية تتمثل في غياب البدائل والحلول والدخول في مستقبل يصعب تحديد ملامحه، كما أنها أزمة تحوّل على المستوى العالمي تظهر في تراجع قوة الولايات المتحدة الأمريكية وعدم بروز لحد الآن أي قوة بديلة تتولى زعامة الاقتصادية والسياسية للنظام الرأسمالي والعالم.

· لماذا هذه الأزمة هي هيكلية لكل النظام الرأسمالي ونمط تراكمه؟

التاريخ الاقتصادي والنظرية الاقتصادية تعطينا الكثير من المعلومات والآليات التي توّلد وتحكم مسار الأزمات يمكن تلخيصها في نقطتين أساسيتين:

§ فالأزمة الاقتصادية بصفة عامة هي ملازمة ومصاحبة لوجود النظام الرأسمالي نفسه[4] و[5]، وهي أحد تعابير صعوبة وجوده وفي نفس الوقت ومصدر استمراريته وديمومته، إذ هي في آن واحد حدث يهدم ويعطل جزء كبير من طاقته الإنتاجية (تراجع الإنتاج، غلق وتصفية الوحدات الإنتاجية، البطالة، خسائر مالية ضخمة..) وهو فرصة لإعادة ترتيب « شؤون البيت » وإعادة هيكلة القطاع الإنتاجي وضع نظام جديد من التراكم والنمو والتوزيع وإعادة التوزيع.[6]

§ بؤرة الأزمة هي دائما الاقتصاد الحقيقي وأساسا مجال الإنتاج، هذا لا يعني أن الأزمة لا تظهر في المجالات الأخرى، بل يمكن أتكون الأزمة مالية أو غذائية أو بيئية..إلخ، لكن منبعها العميق يبقى دائما مجال الاقتصاد الحقيقي، بالرغم من أن لكل أزمة مفجرها ومسارها الخاص بها وتيرتها وأشكال حلها.

من هذا المنطلق يمكن اعتبار الأزمة الجارية هي أزمة هيكلية وأزمة نمط التراكم الذي اعتمد منذ 1980 أي النمط الليبرالي الجديد الذي أحدث منذ هذا التاريخ تحولا في بنية النظام الرأسمالي وأشكال توزيع الثروة المنتجة.

بالفعل، فبعد أزمة الكساد الكبير لسنوات 1929 ـ 1933 ونتائجها الاقتصادية والاجتماعية على مستوى الدول (انخفاض معدلات النمو والبطالة أساسا) والمستوى الدولي (الفوضى النقدية والتجارية وعودة السياسات الحمائية والحروب التجارية..) وكذا النتائج السياسية مع انتشار الأيديولوجيات الوطنية الضيقة التي أوصلت العالم لحرب عالمية ثانية مدمرة، بعد كل هذا يدخل النظام الاقتصادي الرأسمالي في نمط جديد من التراكم سيلعب فيه الاقتصادي الانجليزي « جون ماينر كينز » الدور الحاسم في إرساءه نظريا وعمليا، وهو النمط الذي سيعرف بالوفاق « الكينزي ـ الفوردي »، فما هي ملامح هذا النمط؟

يقوم هذا النمط على مرتكزات أساسية ثلاث:

1. أن سبب الأزمة، التي هي أزمة فيض إنتاج، هو قصور الطلب الكلي (أي الطلب الاستهلاكي والاستثماري) الناتج عن « التوزيع التعسفي للثروة والدخل والذي تنقصه العدالة »،[7] وبالتالي فإن الخروج من الأزمة واستعادة النمو يمر حتما عبر سياسات اقتصادية لدفع الطلب، أي تشجيع الطلب الاستهلاكي والاستثماري (وليس العرض أي الإنتاج لأنه لا فائدة من الإنتاج في ظل ضعف القدرة الشرائية)، ولتحقيق ذلك يقترح كينز تدخل الدولة لضبط السوق وتعديله ووضع سياسة اقتصادية إرادية تقوم على ثلاث محاور أساسية:

i. سياسة توسعية للميزانية العمومية تقوم على الزيادة في الإنفاق العمومي في البناءات التحتية والشغال العمومية والبناء، والإنفاق الاستثماري وأخيرا الإنفاق الاجتماعي.

ii. سياسة نقدية تقوم على تخفيض أسعار الفائدة لتشجيع الاستثمار والاستهلاك.

iii. سياسة مالية تهدف لتخفيض الضرائب على المنتجين والحد من نفوذ أصحاب الريوع والمداخيل الثابتة والمضاربين في البورصات.

هذه الإجراءات من شأنها أن تدفع للتشغيل الكامل والقضاء على البطالة والسماح للعمال الحصول على مداخيل كافية تمكّن من دفع الطلب ومن ثم تشغيل عجلة الإنتاج والاقتصاد ككل، هذا يعني أن النمط الفوردي ـ الكينزي يقوم على توجه إنتاجي يمكن تسميّته ب »النمط التراكمي القائم على الإنتاج ».

2. نمط من توزيع الثروة والدخل يعطي نصيب أوفر للأجر من الناتج المحلي الخام بشكل يسمح بدفع الطلب الذي هو مفتاح الأزمة، وبالتالي فالزيادة في دخل العمال ليس هدف اجتماعي فقط يهدف لتحسين مستوى معيشة العمال وعائلاتهم بقدر ما هو هدف اقتصادي الغرض منه دفع النمو وتحقيق الانطلاقة الاقتصادية.

3. إعادة ترتيب شؤون العالم السياسية (منظمة الأمم المتحدة) والاقتصادية عبر وضع نظام مالي ونقدي جديد هو نظام « بروتن وودس » تلعب فيه الدولة الدور الأساسي عبر البنوك المركزية يقوم على رقابة حركة رؤوس الأموال واعتماد أسعار صرف وأسعار فائدة ثابتين. بالرغم من أن هذا الترتيب الجديد يعطي للولايات المتحدة الأمريكية والدولار دور الزعامة في قيادة النظام الرأسمالي.

تطبيق هذا النمط من التراكم بعد الحرب العالمية الثانية حقق ما أصبح يعرف ب »الثلاثينات المجيدة » التي تمثلت في تحقيق تشغيل شبه كامل وارتفاع قوي لمعدلات النمو والإنتاج وتحسن لا مثيل له في مستوى المعيشة وظروف عمل العمال وهذا في ظل ميزان قوى عالمي متميز (الثنائية القطبية وصعود حركات التحرر الوطني ودور قوي للنقابات والحركة العمالية..)

في نهاية الستينيات وبداية السبعينيات من القرن العشرين، وعلى اثر الأزمة النقدية لسنة 1971، يبدأ الاقتصاد الرأسمالي العالمي في الدخول في سلسلة من الاختلالات والاضطرابات التي تظهر في انكماش طويل المدى كانت تتخلله بعض الفترات من الانتعاش. هذه الأزمة الجديدة ستدخل نمط التراكم الفوردي ـ الكينزي في مرحلة من الإرهاق مما سيفتح المجال لبروز تيار فكري اقتصادي جديد هو التيار الليبرالي الجديد في الاقتصاد والسياسة الذي سيستبدل الوفاق السابق بوفاق جديد هو « وفاق واشنطن » الذي خيط وجسد في بداية الثمانينيات من القرن العشرين، الأمر الذي يسمح ببروز نمط جديد من التراكم الرأسمالي،ما هي أهم أسس هذا النمط من التراكم؟

1. يعتبر أصحاب الفكر الليبرالي الجديد أن سبب أزمة السبعينيات من القرن العشرين هو السياسات الاقتصادية الكينزية التي أفرطت في الإنفاق العمومي والاجتماعي وتدخل الدولة، وسببت عجزا في ميزانية الدولة وارتفاعا في معدلات التضخم، كما ضخمّت من تكاليف المؤسسات وبالأساس تكاليف الأجور الأمر الذي أضعف تنافسيتها، لهذا فالحل عندهم يكمن في العودة لمبادئ الليبرالية الكلاسيكية والنيوكلاسيكية لما قبل أزمة 1929 ـ 1933، ولسياسة تشجيع العرض عوض الطلب عن طريق استعادة الثقة في المبادرة الفردية والمصلحة الفردية وفي السوق والمنافسة الحرة كمنظم وحيد للاقتصاد وتراجع الدولة عن مهامها الاقتصادية والاجتماعية، وعن طريق كذلك سياسة لتحرير المبادلات من السلع والخدمات وحركة رؤوس الأموال وخوصصة المؤسسات العمومية والخدمة العمومية..، هذه الإجراءات من شأنها أن تعيد للمؤسسة الاقتصادية وللاقتصاد حيويته وانتعاشه، لكن هذا غير كاف:

2. لابد من إحداث تغيير في نمط التوزيع يعيد الأولوية للربح، لأنه أساس التراكم حسب « دافيد ريكاردو »، وبالتالي فهذا النمط الجديد من التراكم سيعمل على أساس تقليص حصة الأجور من الناتج المحلي الخام بالضغط على تكاليف الأجور والأعباء الاجتماعية بمختلف الأشكال وباسم شعار « المرونة » (التسريح وتخفيض الأجور الحقيقية، انتشار عقود العمل لوقت محدد، الهجوم على قوانين العمل والحماية الاجتماعية، اللعب على فارق الأجور بين البلدان..) والهدف هو تكوين احتياطي عالمي لليد العاملة الرخيصة الأجر.

كل هذا من المفروض أن يؤدي إلى ارتفاع حصة الربح من الناتج المحلي الخام، الذي من المفروض كذلك أن يوجه لزيادة الاستثمارات وبالتالي الإنتاج والتشغيل، أي إلى تحقيق الانطلاقة الاقتصادية، فهل هذا تمّ فعلا؟

3. الإجابة ستكون بالسالب لأن الأرباح لم توّجه لقطاع الإنتاج بل لقطاع المال، وهذا يعود لسياسة تحرير المجال المالي وحركة رؤوس الأموال ولاستخدام مكتسبات ثورة تكنولوجيا الإعلام والاتصال، الأمر الذي زاد من أرباح هذا المجال مقارنة بمجال الإنتاج وجعل رؤوس الأموال تتجه للأول وهو ما برز في زيادة رسملة المؤسسات وتنامي سوق الأسهم والسندات.

كل هذا سيؤدي شيئا فشيئا لسيطرة مجال الرأسمال المالي على مجال الإنتاج، وهو ما يظهر في حجم الأموال الضخمة المستثمرة في الأول وتمركزها في عدد قليل من المؤسسات، وستكون لذلك نتيجتين على الأقل:

· تغيير في المؤسسة الاقتصادية نفسها، حيث أصبحت السيطرة لحاملي الأسهم على حساب المسيرين والعمال، والإنتاج لم يعد المنطق الذي يتحكم في مصير المؤسسة بل قيمة الأسهم، لهذا سيعمل المساهمين على استخدام كل الأساليب لفرض مردودية عالية للأسهم (إعادة توطين الصناعات، الإندماجات والإكتسابات الدولية …) والهدف دائما هو تخفيض التكاليف.
إن هذا التحوّل سيولد نمطا جديدا من التراكم يعطي الأولوية للرأسمال على حساب العمل والربح على حساب الأجر والعلاقة الأجرية تصبح تابعة لقطاع المال. وهو ما جعل بعض الباحثين يتكلمون عن « رأسمالية الملكية المالية » أو « الرأسمالية المساهمية »

· تفاقم وانتشار الأزمات المالية منذ بداية التسعينيات ونذكر منها أساسا:

ـ الأزمة اليابانية 1990

ـ الأزمة المكسيكية 1994 ـ 1995

ـ الأزمة الآسيوية 1997 ـ 1998

ـ الأزمة الروسية 1998

ـ أزمة الأسهم الالكترونية 2000

ـ الأزمة الأرجنتينية 2001

ـ أزمة الرهون العقارية في أوت 2007

وهي الأزمات التي ستكلف خسائر مالية واقتصادية
واجتماعية ضخمة ستفاقم من الأزمة العامة لنمط التراكم المعتمد.

أكثر من ذلك، فما زاد في خطورة الوضع هو انتشار الجريمة المالية المنظمة بمختلف أشكالها واساسا تبيض أموال المخدرات والتهريب والمتاجرة بالجنس.. وانتشار الجنّات الضريبية.

أصحاب هذا الاتجاه يذهبون أبعد من هذا، فالأزمة الحالية تعكس في الواقع أزمة كونية بالنظر لتداخل عدة أزمات في آن واحد:

ـ الأزمة المالية والنقدية منذ بداية السبعينيات والأزمات التي تلتها،

ـ الأزمة الغذائية التي تهدد بتفاقم الفقر وانتشار المجاعات وسوء التغذية،

ـ الأزمة البيئية التي تهدد الكون بأسره نتيجة نمط النمو المعتمد الذي أصبح يهدد نوعية الحياة والأنواع النباتية والحيوانية، وأشكال استغلال الموارد وتوزيعها، ومستقبل الأجيال ككل..

حسب هذا الاتجاه دائما، فإن الشيء المؤكد أن الأزمة الحالية بعمقها وشمولياتها وتداعياتها قد أدخلت نظام التراكم السائد في أزمة نظرية وعملية عميقة:

فهي من جهة أزمة للفكر الاقتصادي الليبرالي الجديد الذي يجد صعوبة كبيرة في إيجاد صيغ وبدائل جديدة للخروج من الأزمة الحالية، فبعد أن حاول هذا الفكر تخطي أزمة السبعينيات من القرن العشرين من خلال صياغة وفاق جديد يعوض الوفاق « الفوردي ـ الكينزي » هو »وفاق واشنطن » الذي وضع في بداية الثمانينيات وسمح بالشروع في نمط جديد من التراكم يعطي الأولوية للربح على حساب الأجر ولمجال المال على حساب مجال الإنتاج، وعبر تفكيك منظم لكل القواعد التي وضعتها الرأسمالية لنفسها بعد الحرب العالمية الثانية لضبط وتعديل الاقتصاد واعتماد ليبرالية متوحشة في مجال المال وتبادل السلع والخدمات..، ها هو هذا النمط من التراكم يدخل في أزمة جديدة أعمق وأشمل ولم تفلح مخططات الإنقاذ والمبالغ الخيالية التي خصصت للبنوك وقطاع المال والاقتصاد الحقيقي بدرجة أقل من إنعاش الاقتصاد بل كل المؤشرات تؤكد دخول الاقتصاد العالمي في انكماش خطير ولسنوات عديدة، فما هو الحل؟ هل يمكن أن يتحقق في ظل وفاق واشنطن وتحت لواء الفكر الليبرالي الجديد؟ أم هل هناك حلول أخرى؟

ومن جهة أخرى، رغم اختلاف ميزان القوى العالمي مقارنة بأزمة سنوات 1929 ـ 1933 وما تلاها (بروز الاتحاد السوفيتي كقوة اقتصادية وعسكرية وصعود الحركة العمالية عموما وقوى التحرر الوطني على الصعيد العالمي..) والأزمة الحالية (سيطرة القطب الواحد بعد انهيار جدار برلين وتراجع الحركة العمالية..)، يدخل العالم في أزمة تحوّل لا نعرف توجهاته وأبعاده، فالأزمة الجارية كشفت أكثر من أي وقت مضى مدى ضعف وهشاشة اقتصاد الولايات المتحدة الأمريكية الذي يعرف عجزا غير مسبوق في ميزانيته العمومية وميزانه التجاري وثقلا كذلك في مديونيتها العمومية والخاصة (11.000 مليار$ ما يعادل 358% من الناتج المحلي الخام في الثلاثي الأخير لسنة 2008) بالإضافة لهشاشة الدولار، وهو الضعف الذي سيتفاقم بفعل الأزمة الجارية وأصبح يهدد زعامة هذا البلد على العالم، هذا الضعف يطرح اليوم سؤالا جوهريا: هل العالم بعد هذه الأزمة هو أمام نقطة تحوّل تعيد النظر في السيطرة الكليّة للولايات المتحدة الأمريكية على العالم؟ وهذا بالرغم من قوتها العسكرية التي كما يعرف الجميع ستضعف بضعف اقتصادها، وفي هذه الحال لمن ستؤول الزعامة؟ فلا أوروبا التي تعرف صعوبات كبيرة في توحيد مواقفها تجاه الأزمة[8]، ولا الصين بإمكانهما حل محل الولايات المتحدة في الوضع الحالي لتطور الاقتصاد الرأسمالي العالمي، وبالتالي فمن المرجح أن يدخل العالم في أزمة انتقال قد تكون طويلة المدى تعرف فيها الولايات المتحدة تقهقرا أكثر فأكثر وتتهيأ شيئا فشيئا شروط قيام عالم متعدد الأقطاب[9]، في هذه الحالة كذلك، وإلى حين تغيّر ميزان القوى العالمي، كيف سيكون موقع وموقف البلدان النامية والعربية منها خاصة إذا علمنا أن الولايات المتحدة الأمريكية ستحاول إنقاذ نفسها والحفاظ على مكانتها المهيمنة بجعل البلدان الأخرى (سواء كانت حليفة أو لا) تدفع فاتورة الأزمة كما كان الحال في أزمات العشريات الثلاثة الأخيرة؟

هذه مجموعة من التساؤلات نطرحها من باب فتح النقاش والتفكير الجماعي في أسباب هذه الأزمة وتداعياتها على الاقتصاد الحقيقي والبلدان النامية والعربية منها.

2 ـ عن انعكاسات الأزمة على الاقتصاد الحقيقي واقتصاديات البلدان النامية ومنها العربية :

يصعب اليوم تقديم حصيلة رقمية ودقيقة عن تداعيات الأزمة الجارية على الاقتصاد الحقيقي واقتصاد البلدان والحركة العمالية، لكن يمكن التركيز على النقاط التالية:

أ ـ انعكاسات الأزمة أكيدة سواء على الجانب المالي بالنظر لحجم الخسائر التي تكبدها قطاع المال والمصارف (5000 مليار$ لحد الآن)[10] وانعكاسها على جانب فقدان الثقة بين المؤسسات المصرفية فيما بينها وبينها وبين مؤسسات الاقتصاد الحقيقي، أو من جانب العائلات التي فقدت كل أو جزء من مدخراتها، وبالتالي انخفاض قدرتها الشرائية والطلب.

كما أن انعكاسات الأزمة اليوم أكيدة على الاقتصاد الحقيقي على مستوى الدول والعالم بالنظر لمعدلات النمو العالمي المتوقعة (0.5%) حسب صندوق النقد الدولي، أو على مستوى الدول، أو بالنظر لتأثيرها على قطاعات كاملة من النشاط الاقتصادي (مثل قطاع صناعة السيارات والأشغال العمومية والبناء والسكن والنقل..) وما نتج عنه من تسريح للعمال والتحويل على البطالة التقنية أو تقليص ساعات العمل ..إلخ، وتأثير كل ذلك على الدخل والطلب الكلي، وبالتالي على الإنتاج والنمو الاقتصادي.

فحسب مكتب العمل الدولي من المتوقع أن يصل عدد البطالين في العالم إلى 210 مليون سنة 2009 أي بزيادة 20 إلى 25 مليون بطال، ولحد الآن فقدت الولايات المتحدة وحدها 2.6 مليون منصب شغل سنة 2008 و3.6 مليون منذ انفجار الأزمة[11]، والفئات الأكثر عرضة هم العمال الشباب والنساء والمهاجرين.

ب ـ انعكاس الأزمة على البلدان النامية والعربية أكيد كذلك بالنظر لدرجة ترابط الاقتصاديات في ما بينها اثر سياسات التحرير الاقتصادي المعتمد منذ الثمانينيات من القرن العشرين. هذا التأثير سيكون من جانبين أساسيين:

أ ـ الجانب المالي: وهو مرتبط بدرجة انفتاح البلد النامي(العربي) على الساحات المالية والبورصات العالمية وحجم رأس المال الموظف.

ب ـ جانب الاقتصاد الحقيقي: وهو مرتبط بالتدفقات من الاستثمار الأجنبي المباشر وعدد المؤسسات الصغيرة والمتوسطة المرتبطة بهذه الاستثمارات، كما هو مرتبط بمدى انفتاح سوق تبادل السلع والخدمات، وبالأخص الارتباط بمداخيل التصدير.

في كلتا الحالتين ستكون الانعكاسات أكيدة من جانب الخسائر المالية ومن جانب تراجع مستويات النمو والتشغيل وتراجع القدرة الشرائية والطلب الكلي، وكذا تفاقم معدلات البطالة.

ج ـ على المستويين العالمي والدول، المتوقع إذا هو تفاقم الانكماش إثر تراجع الطلب الكلي العالمي، وهذا ما ينبأ أن الأزمة ستمتد لسنوات وستكون تداعياتها خطيرة على الفئات الواسعة من سكان العالم، فما هي انعكاساتها؟ ما هو الحل؟

5 ـ ما هو المخرج ؟
رغم التباطؤ الذي سبغ تحرك الحكومات والمؤسسات النقدية الوطنية والدولية، لأنهم اعتقدوا أنها مجرد أزمة صغيرة عابرة، لكن بعد أن ظهرت خطورة هذه الأزمة اتجه الجميع لوضع مخططات للإنقاذ تكفلت بتجنيد مبالغ ضخمة من الأموال اعتماد مجموعة من الإجراءات لوضع حد لها وتفادي انتقالها لمجال الاقتصاد الحقيقي، لكن رغم ذلك تأثر هذا الأخير والأمر قد يتفاقم في الأشهر القادمة، وهنا علينا أن نتساءل:

أ ـ هل الإجراءات المعتمدة لحد اليوم من طرف البلدان الرأسمالية المتطورة (مخططات الإنقاذ) ستساهم في حل الأزمة والعودة للنمو؟

من وجهة نظرنا، وبالنظر لعدة اعتبارات نميل لنكون متشائمين:

ـ فالحلول المعتمدة كلها تصب في التفسير الأول للأزمة التي يعتبرها أزمة مالية فقط، وبالرغم من تجنيد مبالغ خيالية تصل لحد الآن إلى حوالي 5000 مليار $، فإن معظم هذه الأموال قد وجهت لضخ السيولة النقدية للبنوك واسترجاع الثقة فيما بينها والمؤسسات الاقتصادية، وجزء ضئيل منها يوجه لقطاع الاستهلاك والإنتاج لدعم الطلب والحفاظ على مناصب الشغل. هذا الأمر يجعلنا نقول أن الحل المقترح لا يخرج عن إطار التصور الليبرالي الجديد الذي كان السبب في هذه الأزمة، أي التركيز على جانب العرض وإهمال الطلب أي دعم القدرة الشرائية للرفع من الطلب والإنتاج. ويظهر ذلك في التأكيد في كل مرة على أن كل هذه الإجراءات لا تعني التخلي عن الاقتصاد الحر ولا حرية والمبادلات، ولابد أن تتم في مراعاة صارمة لتفاقم العجز في الميزانية العمومية.

ـ كما أن هذه الحلول المعتمدة حاليا غير ناجعة أخلاقيا واجتماعيا، لأنه في الوقت الذي تضخ فيه مئات الملايير من الدولارات للبنوك والقطاع المالي المسؤول عن هذه الأزمة، ويستمر مسيروه في تقاضي رواتب خيالية من المال العام، في نفس الوقت تغلق الوحدات الإنتاجية ويرفض الاستجابة لأي مطلب لنقابات العمال للرفع في الأجور وتحسين ظروف العمل بحجة « ظروف الأزمة ». أكثر من ذلك في الوقت الذي تجند هذه الأموال لإنقاذ الرأسمال لم « تستطع » الدول المتطورة تجميع خلال 10 سنوات ما قيمته 50 مليار $ للقضاء على الفقر في العالم…

ـ ما يجعلنا متشائمين أكثر هي أنصاف الحلول المقترحة والتي تتأرجح عند بعض الحكومات بين الحلول الكينزية تارة والليبرالية الجديدة تارة أخرى، وهذا يعكس أزمة النظرية الاقتصادية وفي نفس الوقت اشتداد التناقض بين مختلف شرائح الرأسمال، لكن الشيء المؤكد أن الإجراءات المقترحة تفتقد للانسجام والتكامل الذي تقترحه السياسات الكينزية، ويكتسيها الكثير من الغموض والرؤية البعيدة.

ـ أخيرا فالتشاؤم يظهر أكثر عندما نرى أن البلدان الرأسمالية المتطورة ورغم المظاهر، فإنها لم تتعلم دروس أزمة 1929 ـ 1933، حيث تعالج الأزمة في صفوف مبعثرة، بل نشاهد اعتماد سياسات حمائية من طرف الولايات المتحدة نفسها..

يبقى أن الكثير من الأفكار تقدم حول إصلاح الرأسمالية باتجاه فرض رقابة على حركة رؤوس الأموال والحد من الجنات الضريبية ومحاربة الجريمة المالية المنظمة، وتدعيم هيئات رقابة البورصات، والتخفيض من أجور ومداخيل مسيّري المؤسسات، إلا أنه لحد الآن لازالت في مستوى التمنيات والنوايا، بل أنها تدخل في كثير من الأحيان في منطق الصراع بين قوى المال في العالم[12].

ب ـ أمام هذه الأزمة الخطيرة كما رأينا أعلاه، وأمام انسداد الأفق والعجز على أيجاد حلول ومخارج، ما هو الموقف؟

إن موقف من الأزمة لابد أن ينطلق من قناعة أن الأزمة هي هيكلية وعامة، هي أزمة نمط من التراكم والنمو القائم على سوء توزيع الدخل واستغلال الموارد وإهدار للطاقات والموارد الكونية، كما أن بؤرة الأزمة هي دائما مجال الإنتاج، فجذورها دائما هي فيض الإنتاج الناجم عن قصور الطلب الكلي والذي يفسر بانخفاض القدرة الشرائية وتراجع دخل العمال المأجورين، أي الناجم عن سوء توزيع الثروة المنتجة، لكن قد تأخذ الأزمة أشكالا مختلفة (أزمة مالية، أزمة غذائية، أزمة المواد الأولية، أزمة قطاع أو فرع إنتاجي…)، ويبدو لنا أنها أزمة تفسر فقد في المجال الذي ظهرت فيه(الأزمة المالية مثلا).

هذا الاقتراب يبدو لنا غير صحيح، ففي حالة الأزمة الجارية فقد بيّنا أنها ليست أزمة مالية بقدر ما هي أزمة اقتصادية تمتد جذورها لسنوات السبعينيات من القرن العشرين، بل هي أزمة هيكلية عامة تمس بأسس نظام التراكم الرأسمالي، خاصة في شكله الليبرالي الجديد.

وبالتالي فالحل في اعتقادنا يمر أساسا عبر

1 ـ إعادة النظر في توزيع الدخل على المستوى العالمي والدول لصالح العمل والأجر، والحفاظ على مناصب الشغل وتحسين ظروف المعيشة والحياة، والدفاع عن نظام الحماية الاجتماعية والتقاعد..

2 ـ كسر منطق مالية السوق والريع والعودة لمنطق الإنتاج وذلك بفرض رقابة على حركة رؤوس الأموال والمضاربات المالية وفرض رسوم عليها، وإلغاء الجنّات الضريبة والسر البنكي، وإعادة توجيه الرأسمال للإنتاج المنشئ للثروة والشغل. وتأميم البنوك وجعلها تحت السلطات العمومية تلعب دورا في ضبط القطاع المالي وتوجيهه لخدمة الإنتاج.

هذا المطلب يكتسي بالنسبة لبلداننا أهمية بالغة، فلا يمكن أن تتحقق أي انطلاقة فعلية من دون تطوير لطاقات إنتاج البلدان النامية والعربية وأساسا الصناعية منها، فالإنتاج هو وحده محرك للنمو والمنشئ للشغل.

3 ـ المشاركة السياسية والديمقراطية في القرارات الاقتصادية والاجتماعية على كل المستويات بدءا بالوحدة الاقتصادية البسيطة حتى القرارات على المستوى الكلي.

الهدف هو العمل على بعث أساليب التفكير الجماعي التي تجد الحلول الجماعية وليس الفردية الضيقة.

أحمين شفير

30 جوان 2009

[1] ـ موقع www.kezeco.fr تم الاطلاع عليه يوم 04/02/2009

[2] ـ « ألان قرينسبان » الرئيس السابق للخزينة الفدرالية للولايات المتحدة صرّح عندما اتهمت سياسته بأنها السبب في هذه الأزمة: »الخطأ الوحيد الذي ارتكبته هو أنني كنت أؤمن بأن حس المصرفيين بمصلحتهم الخاصة هي أحسن حماية » (للنظام).

[3] ـ أنظر مقال « الجنات الضريبية: أوروبا تنوي القيام بإجراءات » جريدة : Le monde du 24-02-2009

[4] ـ حوالي 120 أزمة من نهاية القرن 19 إلى غاية ، 2008. أنظر « Alternatives économiques » n° 278, mars 2009 :

[5] ـ C.P. Kindleberger, cité dans le rapport sur les crises financières, s/la dir. De R.Boyer, la documentation françaises, Paris, 2004.

[6] ـ Lexique d’économie, 5eme Ed. DALLOZ, Paris 1995

[7] ـ جون ماينر كينز، النظرية العامة للتشغيل وأسعار الفائدة والنقود، باريس، 1975، ص 366.

[8] ـ ساندرا مواتي وقيوم ديفال، مقال « أوروبا مريضة بالأزمة » (بالفرنسية)، مجلة « Alternatives économiques  » رقم:278،
مارس 2009.

[9] ـ أنظر: ـ زاكي العايدي Zaki Laidi ، مقال في مجلة « Esprit » (بالفرنسية) عدد شهر فيفري 2009 ، ص.20
ـ مايكل هودسون، مقال :Dé-dollarisation : le démantèlement de l’empire militaire et financier Américain , bulletin électronique : www.mondialisation .ca, du 25 juin 2009.

[10] ـ تصريح Klaus Schwab, le chef du forum économique international de Davos،le 08/01/2009

[11] ـ تصريح للرئيس الأمريكي يوم 10/02/2009، وكالة الأنباء الفرنسية

[12] ـ Jean Claude Paye, « Le G 20 et la hiérarchisation du système financier international, Bulletin électronique :www/mondialisation.ca, juin 2009.

Laisser un commentaire

Ce site utilise Akismet pour réduire les indésirables. En savoir plus sur comment les données de vos commentaires sont utilisées.