LA PENSÉE MARXISTE TOUJOURS D’ACTUALITÉ

A nos lecteurs arabophones

La pensée marxiste toujours d’actualité ( Fouad Khalil )

pdf_img2353right-doc2352-4.jpg

راهنية الفكر الماركسي

فؤاد خليل

أخذت الماركسية بالمفهوم المادي في نظرتها الى التاريخ والمجتمع. وقد تبيّن في ضوئه انها تتصف بطبيعة إنسانية عامة. لان جوهر نظامها المعرفي يقوم على فكرة المساواة بين بني البشر. وهو ما يجعلها ملازمة للحاضر المجتمعي باستمرار طالما ان المجتمع الطبقي ينتج الظلم والاستغلال والتفاوتات المختلفة بين طبقاته ومكوناته.

الماركسية هي نظرية سوسيولوجية ماركروية (شمولية)، تناولت المجتمع بكل جوانبه. وهي عندما تدرس ظاهرة ما، لا تدرسها بمفردها، بل تقيم الربط الديالكتيكي بينها وبين الظواهر الاخرى. او بمعنى آخر، انها تدرسها من داخل سياق وبنية. وكل تحليل من هذا النوع، سوف يظل حاضراً في الفكر السوسيولوجي، ويشكل مرتكزاً لإحدى مدارسه، او لأحد اتجاهاته البارزة.

النظرية الماركسية هي نقدية وتغييرية في آن. فالنقد في نظرها يحيل الى الكشف عن الزيف الايديولوجي في المفاهيم والافكار التي تسوّغ الواقع الطبقي القائم وتدعو الى استمراريته، او هو فضح وتعرية للأقنعة الايديولوجية التي تحجب حقيقة هذا الواقع… انه بهذا المعنى، ممارسة نظرية في التغيير او فعل تغييري بأدوات المعرفة.

أما التغيير، فهو بالنسبة إليها عملية تنهض على العوامل الداخلية في المقام الاول، وتنشد تقويض النظام السائد. ولذلك، فهو ممارسة سياسة في نقض الاساس المادي للاستغلال، او في اعادة تشكيل طبيعة البنى المجتمعية. وعليه، فالماركسية هي نظرية في الممارسة بوجوهها المختلفة، او هي ممارسة في الديالكتيك الواقعي بين النظرية والتجربة، والتي تتجسد في السياسة من حيث كونها المسار العملي الذي يلعب فيه الأفراد والجماعات دورهم في التغيير الجذري او البنيوي.

وعلى أساس النقد والتغيير وتالياً الممارسة، تبقى الماركسية نظرية حية وخصبة في وعي حقيقة المشكلات المجتمعية، والكشف عن اسبابها الموضوعية. ذلك ان كل علم إنساني يغيب عنه النقد، يقع في التبرير الايديولوجي للواقع، حتى وإن ادّعى الحياد والموضوعية…

تناولت الماركسية المعرفة والثقافة بالتأسيس على الوجود المجتمعي لكل جماعة بشرية، لا على خصائصها العقلية او ميزاتها النفسية. ولقد نأى بها هذا التأسيس عن نزعة الاستعلاء والتفوق في نظرتها الى ثقافة الآخر غير الغربي. ثم افضى بها الى إحراز قصب السبق في بناء علم اجتماع المعرفة والثقافة على قواعد موضوعية، ما برحت توجه أبحاثه ودراساته المعاصرة، كما الى تزويدها بقدرة علمية على تجديد نفسها داخل حقلها التاريخي المخصوص، وقابلية منفتحة باستمرار على التبيئة والتوطين خارجه.

درست الماركسية المجتمع البرجوازي في اوروبا، واتصفت دراستها بعلمية متميزة، سواء من حيث منهجها او من حيث أدواتها التحليلية. فأتاح لها ذلك ان تشخص بدقة قوانينه الرأسمالية، وان تكشف عن أزمته البنيوية التي تلازم مسار تطوره ولا تنفك عن الظهور الدوري بأشكال مختلفة بين مرحلة تاريخية وأخرى. ومما اشتمل عليه تشخيصها من قوانين ونظريات :

. قانون التناقض البنيوي بين علاقات الإنتاج والقوى المنتجة/ التناقض بين رأس المال والعمل/ مصدر الأزمة الدائمة في الرأسمالية.

. قانون التوسع وإعادة التوسع في الإنتاج/ اصل العولمة الرأسمالية.

. قانون التراكم في رأس المال/ مصدر النهب والسيطرة الاستعمارية.

. نظرية القيمة /فائض القيمة/ مصدر الاستغلال الرأسمالي.

وهكذا، فمن ينظر موضوعياً في هذه القوانين يجد انها ما زالت تحكم الى حد بعيد قواعد اشتغال النظام الرأسمالي المعاصر. ومنها ما يحدد الاصول التاريخية للعولمة، ويساهم في تفسير حاضرها في الوقت نفسه.

تمثل الحداثة رؤية عامة للعالم، مرجعيتها العقل. الإنسان فيها مواطن سيد نفسه، يتحكم في مصيره ويؤمن بأن مصدر المعرفة يكمن في العقل وليس في أي مكان خارج رأس الفرد. والطبيعة هي موضوع للمعرفة، أي معرفة قوانينها بهدف استغلال مواردها والسيطرة عليها. والمجتمع بالنسبة إليها، تحرر من « الأمس الأزلي »، سلطة الاعراف والتقاليد، وبنى تنظيمه على قواعد عقلانية، ودولته من منطلقات القوانين والتشريعات الوضعية، وقد عرفت اسم الدولة ـ الأمة.

وفي الزمن الحداثي نفسه، اخذت الماركسية، كما هو معروف، بنظرة مادية تاريخية الى العالم. فوجدت من خلالها ان البرجوازية تقوم في بداية عهدها بدور تاريخي تقدمي، أي بتنوير العلاقات المجتمعية. لكن ما ان ترسخ سلطتها حتى تروح الى دور معاكس، هو تأبيد علاقات الظلم والاضطهاد بحق اوسع الطبقات المجتمعية. من هنا كان طبيعيا ان تنقد الماركسية مقولات الحداثة ومفاهيمها. ولقد اظهرت في هذا المجال، ان الإنسان في المجتمع البرجوازي ليس حراً او سيد نفسه بل مستغل ومقهور. وان معرفة الطبيعة لا تكون من اجل السيطرة عليها فقط، بل ايضا في سبيل التقدم البشري عامة. وان العقل لا يعدو عن كونه فكراً برجوازياً يراد له ان يعولم قيمه وأحكامه، والعقلانية توظف في خدمة الحفاظ على الواقع الاستغلالي القائم، وفي حجب تاريخ العنف « العقلاني » للرأسمالية. كما كشفت عن طبيعة الدولة البرجوازية ووظيفتها الاصلية في القمع والسيطرة الطبقيين… وبذلك، تكون الماركسية الوجه الآخر للحداثة. وهذا ليس الا وجه اشتراكيتها العلمية المعادل التاريخي للحداثة الحقيقية.

وفي زمننا الراهن، تمثل ما بعد الحداثة وبخاصة وجهها التفكيكي، رؤية فلسفية للعالم. وهي ترفض او اقله تتشكك في أي مرجعية معرفية سواء كانت العقل ام المادة ام الروح… الخ.

فالعقل في نظرها لا يستطيع ان يتوصل الى حقائق ثابتة او مطلقة، بل جل ما يتوصل إليه، هو معرفة الجزئي، والحدثي او الظرفي، أي ان معرفته متغيرة باستمرار مع تغير الظرف والحدث. فيغيب بالتالي المنطق العقلاني واليقين المعرفي، ولا يعود هناك تمييز بين الزائف والحقيقي او الخطأ او الثابت للعالم. وهو اصل يشكل عودة للغيبية الدينية، ويمثل سقوطاً في ميتافيزيقا التجاوز، كأن يجري الحديث على سبيل المثال عن كل مادي متماسك او عن قوانينه الثابتة. فالكل لا يمكن ان يكون مادياً والمادة هي أجزاء. كما لا يمكن ان يكون ثابتاً والمادة في حالة حركة وصيرورة. ومع رفض أي اساس او مصدر معرفي، لا يعود الإنسان في رؤية ما بعد الحداثة يستحق أي مركزية في الكون طالما لا يستطيع ان يدرك الواقع عقلانياً، أي ان يتوصل الى ادراك الكليات لانتفاء الثبات في الطبيعة والمجتمع والذات الإنسانية. وفي النتيجة، يغدو مجموعة من الدوافع المادية والاقتصادية والأهواء الجسيمة المتغيرة أبداً…

وفي الجهة المقابلة، تمثل الماركسية من حيث كونها وجهاً إنسانياً في الحداثة، احدى فلسفات الأصول والمرجعيات المعرفية. فهي تنطلق من المادة، المقولة الفلسفية التي ترى ان للعالم وجوداً موضوعياً مستقلاً وخارجياً عن وعي البشر. وتعتبر ان خاصتي الموضوعية والخارجية تحايثان الطبيعة وتحولاتها الى موضوع للمعرفة والإنسان يستطيع ان يكتشف قوانينها ويتوصل الى حقائق ثابتة عنها، لكنها بالتأكيد حقائق نسبية ومتراكمة. ونسبيتها تنبع من اكتشاف وقائع طبيعية جديدة، ومن الاغتناء المستمر لأداة التفكير نفسها. وبلغة اخرى، ان الماركسية لا تنظر الى العقل كمعطى ماهوي تتوفر بنيته على حقائق فطرية او قوانين قبلية وبعدية، او على قوة مطلقة كامنة فيه، ولا كفعالية ذهنية تنحصر في نطاق معرفة المادي الجزئي في حركته الدائمة، بل تنظر إليه كأداة للتفكير تبنى ويعاد بناؤها في التاريخ، وهي تستطيع ان تتجاوز المادة الى إدراك الكليات، أي انها تستطيع ان تنتج الكل المادي الثابت، وان تميّز بين الزائف والحقيقي والخطأ والصواب والعرضي والجوهري، وتخوض في الغيب وفي مفاهيمه الماهوية والمطلقة. وعلى هذا يحوز الفرد مركزيته في الكون، وهي ما تتلازم مع فعله المجتمعي لأن جوهره الإنساني يكمن في مجموع علاقاته المجتمعية. فتكون الماركسية بالتالي، نظرية في الموازنة بين الفرد والجماعة، مثلما تؤلف نظرية نقيضة ابستمولوجيا لأطروحات ما بعد الحداثة، وبخاصة تلك التي ترى الى الإنسان جملة من الدوافع المادية والاقتصادية والنوازع والأهواء الجسمية غير العقلانية.

Laisser un commentaire

Ce site utilise Akismet pour réduire les indésirables. En savoir plus sur comment les données de vos commentaires sont utilisées.